Wednesday, January 30, 2013 In Copy | trackback

البخلاء

Books 2012 in review - مراجعة كتب 2012

يقولون أن العرب لا يقرأون, ولكن أقول لهم ما يقرأون؟

في نظري هناك أسباب عديدة جعلت من الأمة لا تقرأ, إذا ثبت ذلك أصلا. ليس لدي أرقام وبيانات, ولكن القليل من المنطق (تعرف ايه عن المنطق؟). بعيدا عن الأسباب السياسية والتي هي محرك رئيسي لما يحدث لنا، الكتاب في هذا الزمن إما أن يكون شديد القبح، فتنازع نفسك لقراءته فتغلبك عشرات المرات، أو سيّء اللغة وركيكها أو عديم الموضوع والفائدة، أو كل ذلك مجتمع. فإن أردت أن تقرأ كتاب بغير العربية، كان باهظ الثمن وصعب المنال، فإن أنت حصلت عليه كان صعب اللغة، أو لا يتّفق مع ماتؤمن به، فساعة يحدّثونك عن أسرار الحياة وهم لايؤمنون بما بعد الحياة، وساعة عن أسرار الرزق والرزق في السماء وما يوعدون! ولكن في الآونة الأخيرة أصبحت الكتب غير العربية سهلة المنال (بواسطة كيندل خاصة) وأصبح الكثير ممّن تغلبه نفسه على قراءة الكتب القبيحة يتناولها (مثل محسوبتكو). إذن العرب قارئون! ولكن لا يدرون ما يقرأون.

والكتاب العربي مازال يعاني. أكبر معناته ليست هي القبح، بل ركاكة اللغة! اللغة العربية الأصيلة جميلة جدًّا حدّ السكر! ومن يتحدثها بطلاقة هو كثير الحظ وهو يعلم، ومن يقرأها بسلاسة ويفك رموزها سياقًا لا يعلم كم هو محظوظ. والجدير بالذكر -عزيزي القارئ العربي- أن العرب يستطيعون القراءة بدون تشكيل، وبدون تنقيط.

ولهذا تراني أشدّ للكتب العربية القديمة، أود لو يطلق لساني فأتكلم مثل أولئكم في خراسان، أولئكم البخلاء، الذين تحدث عنهم أحد رموز الأدب العربي القديم: الجاحظ. وإليكم ماجمعته، أو قدرت على فهمه منه.

حديث البخلاء

قالوا: واحتقن عمر بن يزيد الأسدي بحقنة فيها أدهان. فلمّا حرّكته بطنه كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك الأدهان، فكان يجلس في الطست ويقول: صفّوا هذا، فإنه يصلح للسراج

هذا من أحاديث الأصمعي وأبي عبيدة والمدائني، وهي بضعة عشر حديثًا عن البخلاء، وهذا الحديث هو أضحكهم مما فهمت!

قيل فيه أيضا: لو كان في كفه كر خردل، ثم لعب به لعب الأبلّي بالأكرة، لما سقطت من بين أصابعه حبّة واحدة. وقيل له أيضا: كيف سخاؤه على الخبز خاصة؟ قال: والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ما إذا جدس نزف السحاب لو ثرّ، ما تجافى عن رغيف.

قال ذلك أبي الحارث في وصف محمد بن يحيى، مش مهم! المهم كيف وصف بخله، فلو لعب بحب الخردل كما يلعب البهلواني بالكرات المتتالية، ما سقطت منه حبة! ولو ألقي إليه طعام كثير، إذا يبس شرب المطر كلّه مهما كثر (كناية عن شدّة يبسه وكثرته) ما ترك رغيفًا واحدًا!

قيل لبعض هؤلاء، وقدامهم خبيص: أيّما أطيب، هذا أو الفالوذج أو اللوزينج؟ قال: لا أقضي على غائب!

والخبيص نوع من الحلويات يصنع من السمن والتمر والدبس والأرز (موش عارف كيف!)، والفالوذج حلوى تصنع من الماء والدقيق والعسل، واللوزينج هي القطائف أو ما يشبهها.

حدّثني أبو إسحاق بن سيّار النظّام قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه. قال: قد كان لنا مقلى ولكنّه سرق. فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخرساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى، وشمّ الطباهج، فقال لي، كالمُغضب: ما في الأرض أعجب منك، لو كنت خبّرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقليّ، وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم. وكيف لا أعيرك إذا أردت الطباهج، والمقلى بعد الرد من الطباهج أحسن حالًا منه وهو في البيت.

وهذه من طرائف أهل خراسان، والطباهج هو البيض والبصل واللحم، ولا أعرف الباقلاء إلّا أنها أشبه بالفول وشعبية في العراق.

قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله وهو على الكوفة جَدي وضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسّه، إذ كان هو لا يمسّه. فأقدم عليه أعرابي يومًا، ولم يعرف سيرة أصاحبنا فيه، فلم يرضَ بأكل لحمه حتى تعرّق عظمته. فقال له المغيرة: يا هذا تطالب عظام هذا الجدي بذَحْل؟ هل نطحتك أمه؟

وتعرّق العظم إذا أَخذ اللحم عنه بأَسنانه نَهْشًا. وذحل أي ثأر، فكأنّه تعجب من الأعرابي أكله الجدي كأنّه يثأر لنفسه من أم الجدي!

هنا البداية

وشهدت ثمامة، وأتاه رجلان قال أحدهما: لي إليك حاجة، فقال ثمامة: ولي إليك أيضا حاجة، قال: وما حاجتك؟ قال لست أذكرها لك حتى تضمن لي قضاءها، قال: قد فعلت، قال: فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة، قال: إنك لا تدري ما هي، قال: بلى قد دريت، قال: فما هي؟ قال: هي حاجة. وليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تحوج إلى شيء من الكِلفة، قال: فقد رجعت عمّا أعطيتك، قال: لكنّي لا أرد ما أخذت!

هنا بدأت الغلاسة…

وكان بالكوفة رجل من بني عبدالله بن غطفان يسمّى طُفيل: كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس، فقيل له لذلك طُفيل العرائس، وصار ذلك نبزًا له ولقبًا لا يعرف بغيره. فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له طفيلي، هذا من قول ابي اليقظان.

وذاك هو الطفيلي الأصلي!

قالوا: وإنك لتعرف المكدّين؟ قال وكيف لا أعرفهم؟ وأنا كنت كاجار في حداثة سني. ثم لم يبق في الأرض مخطراني ولا مستعرض الا فُقتُه، ولا شحاذ ولا كاغاني ولا بانوان ولا قرسي ولا عواء ولا مشعب ولا فلور ولا مزيدي ولا أسطيل، إلا وقد كان تحت يدي. ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة. ولم يبق في الأرض كعبيّ ولا مكدّ إلا وقد أخذت العِرافة عليه حتى خضع لي إسحاق قتال الحر، وبنجويه شعر الجمل، وعمرو القوقيل، وجعفر كردي كلك، وقرة أيره، وحمّويه عين الفيل، وشهرام حمار أيوب، وسعدويه…

وهكذا كان فن التعريط في زمن البطء والإطناب، يشبه ذاك التعريط في زمن السرعة، الذي يختصر العرط بجمل أقل من 140 حرف! “احنا اللي خرمنا التعريفة وصفينا البيكم عالرصيف.” والمكّدين هم الشحاذين والمختلسين.

مقولة منقولة

بعض مما ذكر كان من الأحاديث الجادة والمقولات المأثورة، ذلك أن الجاحظ لم ينو كتابة أحاديث الناس المضحكة بل أحاديثهم وأعمالهم وطرق حياتهم من باب التوثيق. كل الأسف حين علمت أن البخلاء هو أحد بضعة كتب للجاحظ نجت من الضياع.

ورأيت أنا حمّارة منهم، زهاء خمسين رجلًا، يتغذون على مباقل بحضرة قرية الأعراب، في طريق الكوفة، وهم حجاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معًا، وهم في ذلك متقاربون، يحدّث بعضهم بعضًا. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتّفق للناس.

هذا من طرف أهل خراسان، وما أشبه البارحة باليوم. غير أن الجاحظ استغرب هذا النمط من الحياة، أمّا نحن! بل أعرف أناسًا لا يمدون أيديهم إلى وعاء مشترك لأن الآخرين استخدموا ملاعقهم الخاصة للسكب منه! يقال أن انتظار الألم، أوجع من الألم.

اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدًا، واعمل لآخترك عمل من يموت غدًاز

قالها عمرو بن العاص.

جمع الشر كله في بيت، وأغلق عليه، فكان مفتاحه السكر. وقال: لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى ثالثًا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

يدّعي زبيدة بن حميد أن الأول حديث رسول الله، إذ سكر، فوهب قميصه ولم يستطع أن يردّه، ولكني لم أجد دليلا على صحة الحديث، غير أنه ذكر من باب النصيحة على لسان العلماء. وأما الثاني فهو حديث نبوي ورد في الصحيحين والنسائي. وقيل في رسالة طويلة كتبها ابن العاص الثقفي يوبخ أحدهم على استحسانه البخل وأقوال البخلاء.

وقع بين رجلين أُبـليّين كلام. فأسمع أحدهما صاحبه كلمة غليظا، فرد عليه مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارًا شديدًا، ولم أر لذلك سببًا. فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ماقال؟ قالوا: لأنه أكثر منه مالًا. وإذا جوّزنا هذا له، جوّزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله. وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياحٌ يسمعني ولا أسمعه؟ أفهو أكثر مالًا مني؟ ثم سكت.

الأُبلّة مدينة قديمة تقع على شاطىء دجلة، ومنها يخرج نهر الأُبلّة الذي كان يعتبر من أجمل المتنزّهات. والمقصود بـالمكافأة المعادلة والتكافؤ، وليس الجائزة. وسبحان الله، يحسب الإنسان أن ماله أخلده!

أنا تئق وصاحبي مئق

التئق هو الممتلئ غيظًا، السريع إلى الشر، والمئق السريع إلى البكاء. وهذا مثل جميل يضرب للمتنافين في الخلق.

معجم

الكثير الكثير من الكلمات الغريبة والقديمة، رأيت أن أسردها كما وردت، علّها يومًا تسعفني أو ترجع حيّة.

كم أجمجم: جمجم في الكلام: لم يبيّنه، وجمجم في صدره: أخفى. والمراد كم أخفى.

العشرات تفتح عليك أبواب المِئين و الِمئون تفتح عليك أبواب الألوف.

المِئون جمع مذكر سالم من مئة، ونحن لا نعرف إلّا المئات. ولكن هذه الكلمة بحر! فأصلها مأي (لسان العرب)، ولها معانٍ كثيرة تدور حول الامتداد، والمبالغة والزيادة عن الحد. وأيضًا ماءَ السنّور (القط) مواءًا اذا صاح (يعني صار يموّي!). ومن جموعها المِئِيَّ. وأَمْأَى القومُ: صاروا مائةً، وإذا أَتممت القومَ بنفسك مائةً فقد مَأَيْتَهم، وشارطْتُه مُماآةً أَي على مئةٍ. أمّا الألف الزائدة فلا تنطق، وسببها أن العرب لم يُحدثوا النقاط والهمزة حتى زمن قريب، فبعض الكلمات تشابهت، فكانوا يضيفون أحرفًا لتمييزها، مثل الواو في عمرو.

أنا والله أحتمل الضيف والضَيْفن، ولا أحتمل اللُّعموط ولا الجردبيل. والواغل أهون عليّ من الراشن.

والضَيْفن من يجيء مع الضيف متطفّلًا، واللعموط (حلوة هالكلمة) من لعمط اللحم إذا انتهشه من العظم ملء الفم، أو الطفيلي. إذًا اللّعموط هو الطفيلي! الجردبيل هو الذي يضع يده على الطعام حتى لا يتناوله غيره، أو الذي يأكل بيمينه ويمنع بشماله. الواغل من دخل على القوم فشرب معهم دون أن يدعى (طفيلي يعني!) والراشن الذي يأكل كل ما على الخوان.

هنيدة: تصغير هند، واسم للمئة من الإبل وغيره.

شيئة: الإسم من شاء.

وكنّا كما قد علمت نخبز في كل يوم مرّة، فإذا اجتمع من ذلك مكّوك بعته.

والمكّوك: طاس يشرب به او مكيال يسع ثماني أواق.

وكما كان يقول السلف، انتهى

Recently

Theory categories

Recent comments

Powered by Disqus
Shut your eyes, and look again, the whole world has gone upside down.

Shut Theory

By Shut Theory [http://shut.elmota.com]